ابن عربي

301

الفتوحات المكية

لا وجود له في عينه فهي تدل على الموصوف بها بطريق المدح أو الذم وبطريق الثناء وبهذا وردت الأسماء الحسنى الإلهية في القرآن ونعت بها كلها ذاته سبحانه وتعالى من طريق المعنى وكلمة الله من طريق الوضع اللفظي فالظاهر أن الاسم الله للذات كالعلم ما أريد به الاشتقاق وإن كانت فيه رائحة الاشتقاق كما يراه بعض علماء هذا الشأن من أصحاب العربية وأما أسماء الضمائر فإنها تدل على الذات بلا شك وما هي مشتقة مثل هو وذا وأنا وأنت ونحن واليا من أني والكاف من أنك فلفظة هو اسم ضمير الغائب وليست الضمائر مخصوصة بالحق بل هي لكل مضمر فهو لفظ يدل على ذات غائبة مع تقدم كلام يدل عليه عند السامع وإن لم يكن كذلك فلا فائدة فيه ولذلك لا يجوز الإضمار قبل الذكر إلا في ضرورة الشعر لما يتقيد به الشاعر من الأوزان وأنشد وافى ذلك جزى ربه عني عدي بن حاتم فأضمر قبل الذكر فإنه أراد أن يقول جزى عني عدي بن حاتم ربه فلم يتزن فقدم الضمير من أجل الوزن ومن الضمائر لفظة ذا وهي من أسماء الإشارة مثل قوله ذلكم الله وكذلك لفظة ياء المتكلم مثل قوله فاعبدني وأقم الصلاة لذكري وكذلك لفظة أنت وتاء المخاطب مثل قوله كنت أنت الرقيب عليهم ولفظة نحن ولفظ إنا مشددة ولفظة نا مثل قوله إنا نحن نزلنا الذكر وكذلك حرف كاف الخطاب إنك أنت العزيز الحكيم فهذه كلها أسماء ضمائر وإشارات وكنايات تعم كل مضمر ومخاطب ومشار إليه ومكنى عنه وأمثال هذه ومع هذا فليست أعلاما ولكنها أقوى في الدلالة من الأعلام لأن الأعلام قد تفتقر إلى النعوت وهذه لا افتقار لها وما منها كلمة إلا ولها في الذكر بها نتيجة وما أحد من أهل الله أهل الأذواق رأيناه نبه على ذلك في طريق الله للسالكين بالأذكار الأعلى لفظ هو خاصة وجعلوها من ذكر خصوص الخصوص لأنها أعرف من الاسم الله عندهم في أصل الوضع لأنها لا تدل إلا على العين خاصة المضمرة من غير اشتقاق وإنما غلبها أهل الله على سائر المضمرات والكنايات لكونها ضمير غيب مطلق عن تعلق العلم بحقيقته وقالوا إن لفظة هو ترجع إلى هويته التي لا يعلمها إلا هو فاعتمدوا على ذلك ولا سيما الطائفة التي زعمت أنه لا يعلم نفسه تعالى الله عن ذلك وما علمت الطائفة أن غير لفظة هو في الذكر أكمل في المرتبة مثل الياء من أني والنون من نزلنا ولفظة نحن فهؤلاء أعلى مرتبة في الذكر من هو في حق السالك لا في حق العارف فلا أرفع من ذكر هو عند العارفين في حقهم وكما هي عندهم أعلى في الرتبة من لفظة هو كذلك هي أعلى من أسماء الخطاب مثل كاف المخاطب وتائه وأنت فإنه لا يقول إني وإنا ونحن إلا هو عن نفسه فمن قالها به فهو القائل ولذكر الله أكبر فنتيجته أعظم لأن الذكر يعظم بقدر عظم علم الذاكر ولا أعلم من الله وباقي أسماء الضمائر مثل هو وذا وكاف الخطاب هي من خواص عين المشار إليه فهي أشرف من الهو ومع هذا فما أحد من أهل الله سن الذكر بها كما فعلوا بلفظة هو فلا أدري هل منعهم من ذلك عدم الذوق لهذا المعنى وهو الأقرب فإنهم ما جعلوها ذكرا فإن قالوا فإنها تطلب التحديد قلنا فذلك سائغ في جميع المضمرات ونحن نقول بالذكر بذلك كله مع الحضور على طريق خاص وقد ورد في الشرع ما يقوي ما ذهبنا إليه من ذلك قوله ص إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده وقوله عن الله كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله والحق بلا شك هو القائل بالنون وأنا وإنا ونحن وإني فلنذكره بها نيابة عنه أو نذكره به لأنه الذاكر بها على لساني فهو أتم في الحضور بالذكر وأقرب فتحا للوقوف على ما تدل عليه ولهذه الأسماء أيضا أعني المضمرات خواص في الفعل لم أر أحدا يعرف منها من أهل الله إلا لفظة هو فإذا قلت هو كان هو وإن لم يكن هو عند قولك هو ولكن يكون هو عند قولك هو وكذلك ما بقي من أسماء الإضمار فاعلم ذلك فإنه من أسرار المعرفة بالله ولا يشعر به ولا نبه أحد عليه من أهل الله غيرة وبخلا أو خوفا لما يتعلق به من الحظر لما يظهر فيه من تكوين الله عند لفظة هو من العبد إذ كان الله يقولها على لسان عبده آية ذلك من كتاب الله فتنفخ فيه فتكون طائرا بإذني فإن تكوين الله بلفظ هو من العبد هو ظهوره في مظهر خاص في ذلك الوقت إذ لا يظهر غيره ولا قال هو إلا هو فهو أظهر نفسه فهو الظاهر المظهر والباطن المبطن والعزيز المعز والغني المغني فقد نبهتك على سر هذا الذكر بهذا الاسم وعلى هذا تأخذ جميع أسماء الضمائر والإشارات والكنايات